الإقتصاد الهندسى أو الإدارة الصناعية هو مصطلح يستخدم للتعبير والدلالة على الوحدة التنظيمية المختصة بممارسة كافة الأعمال والأنشطة اللازمة لتحويل المواد والخامات والعناصر الأخرى الداخلة فى الإنتاج إلى سلع تامة الصنع. ولكن فى ضوء التطورات العلمية والتقنية السريعة فى أساليب ونظم العمل والإنتاج من خلال تحديث الأساليب والطرق المستخدمة فى أداء المهام والأنشطة المتصلة بالإنتاج ، كالتخطيط والجدولة وتتطور أساليب الرقابة ، بدأ التركيز على توسيع دائرة الإنتاج وبذلك شاع مصطلح إدارة الإنتاج والعمليات التشغيلية.
والتطور التاريخى للإقتصاد الهندسى أو لإدارة الإنتاج والعمليات ليس بحديث ، فالكثير من مبادئ إدارة الإنتاج والعمليات كان موجوداً منذ بداية وجود الإنسان الذى احتاج بطبيعة الحال إلى الإنتاج ليشبع احتياجاته الأساسية عن طريق تقسيم العمل الجماعى أو مبادلة العمل فى الجماعات العائلية المستقرة التى ظهرت منذ بداية ظهور الإنسان على وجه الأرض.
وبعد ظهور القرى والمدن ظهرت إدارة الجماعات بهدف تحقيق القوة والإستيلاء على الثروة أو حمايتها ، وهنا احتاجت الإدارة إلى الإنتاج الجيد وشاع مبدأ التخطى حيث أوكلت بعض الأعمال إلى طبقة معينة وظهرت أساليب فنية فى الإنتاج. ومن أمثلة ذلك الإدارة والإنتاج فى الحضارات العريقة المختلفة مثل حضارة الإغريق وحضارة الرافدين والرومان والمصريين القدماء وغيرهم ، حيث اشتهروا بالمنتجات الزراعية والصناعات القائمة على الإنتاج الزراعى ، وكانوا يمارسون عملية الوزن والكيل بالموازين والمكاييل القياسية المتعارف عليها آنذاك. أيضاً من أمثلة المشاريع الكبيرة : الأهرامات بمصر ، وحدائق بابل المعلقة بالعراق وسور الصين العظيم، وغيرها الكثير. وهذه المشاريع ما كانت لتقوم وتستمر لوا وجود إدارة كبيرة تحدد عوامل الإنتاج المناسبة وتحل مشاكل الإنتاج وتقوم بوظائف الإدارة كالتخطيط والتنظيم والتنفيذ الرقابة والمتابعة.
كما كانوا يحددون الأجور وساعات العمل وفق منهجية وآلية لاستخدام العمال ، وكانوا يقدمون مكافآت وحوافز للمهندسين والقائمين على الإشراف على بناء تلك الصناعات والمشاريع الضخمة.
وهكذا استمر الحال إلى أن كانت الثورة الصناعية عام 1750م التى اعتبرت ولادة لحقبة جديدة فى الإدارة الصناعية تميزت عن ما سبقها بعدة مميزات ، منها:
- استخدام الأساليب التكنولوجية الحديثة،
- وإحلال الآلة محل الجهد العضلى ،
- والإنتاج بكميات كبيرة ،
- والإنتاج فى مصانع ،
- وانفصال الملكية عن الإدارة أى أنه ليس من الضرورى أن يكون القائم على إدارة المصنع أو المؤسسة هو نفسه مالكها وإنما يقوم المالك بتعيين ذوى الخبرة لإدارة العملية الصناعية والإنتاجية،
- ظهور النقابات العمالية.
مما أدى إلى الحاجة لأنماط جديدة فى تنظيم وإدارة العملية الإنتاجية، وكان من أبرزها ضرورة وجود المدير الخبير بغض النظر عن الملكية.
وكان من أهم الأسماء اللامعة والبارزة فى الإدارة الصناعية : آدم سميث (1723-1790 م) وهو عالم اقتصاد اهتم بدراسة أهمية الإنتاج فى الإقتصاديات وله نظرية إقتصادية تحمل إسمه، تقوم هذه النظرية على اعتبار أن كل أمة أو شعب يملك القدرة على إنتاج سلعة أو مادة خام بكلفة أقل بكثير من باقي الدول الأخرى، فإذا ما تبادلت الدول هذه السلع عم الرخاء بين الجميع. ومن أبرز كتبه كتاب (ثروة الأمم) تحدث فيه عن أهمية التخصص وتقسيم العمل وفوائده على العملية الإنتاجية، وتحدث عن كيفية زيادة سرعة العامل وبالتالى زيادة الإنتاجية، وكيفية تلاشى الوقت الضائع للإنتقال من عملية إلى أخرى. كما قام آدم سميث باختراع عدد كبير من الآلات ، ومهّد إلى العديد من المبادئ المهمة فى الإنتاج ، منها : تبسيط العمل، تحليل العمليات، دراسة الوقت.
وفى عام 1798م ظهر العالم إللى ويتنى ، ومن أبرز إنجازاته أن تطرق لفوائد تغيير الأجزاء القابلة للتبديل فى الآلة ، وبذلك نتمكن من تطوير وتحديث الآلات القائمة وذلك بتعديل بعض مكوناتها بدلاً من الحاجة إلى تغيير الآلة بالكلية. كما وضع ويتنى أسس التنميط ، وإنتاج مكونات الآلات بشكل مستقل ، والتجميع ، ومحاسبة التكاليف، والرقابة على الإنتاج.
أما فى عام 1800م فقد برزت شركة سوهو الهندسية ، وقدمت معالم مميزة فى تطور إدارة الإنتاج من بحوث التصويت والتنبؤ ، وتحديد موقع المصنع ، والترتيب الداخلى للآلات ، والمكونات النمطية للمنتج ، ومقاييس وأنماط الإنتاج ، والرقابة على التكاليف والنظم المحاسبية ، واهمية تدريب العمال وتقديم الحوافز.
أما فى عام 1833م فبرز العالم شارلز باباج ، وهو عالم رياضي بريطاني اشتهر بأنه أول من تطلع بأفكاره إلى عصر الكمبيوتر، وكان مهندساً من طراز فريد، صمم أول حاسبة وأسماها مكنة الفروق (difference machine) وعلى الرغم من أنها لم تستخدم إلا أن فكرتها كانت أساس اختراع الحاسوب. كما قدم العديد التى تم استخدامها فى حركة التجارة العالمية ، وقدم منهجية لكيفية دراسة الزمن فى الإنتاج ، كما قام بالعديد من الأبحاث فى كيفية إختيار موقع المصنع على أساس تحليل إقتصادى. كما مهد العالم شارلز باباج لظهور حقبة حركة التاجرة العالمية فى عام 1911م.
حقبة حركة التاجرة العالمية فى عام 1911م
ومن أبرز العلماء الذين لمعت أسماؤهم فى عام 1911م ، العالم فريدريك تايلور ، وكان تايلور مهندس ميكانيك أمريكي سعى لتحسين الكفاءة الصناعية ،ويعتبر بمثابة أب لعلم الإدارة. كما كان من أوائل المستشارين الإداريين الذى قدم مدخلاً جديداً للنظام الإنتاجى ، والطريقة العلمية فى حل المشاكل فى الإنتاج والتحليل والقياس ، وفكرته الأساسية كانت قائمة على أساس إيجاد قوانين علمية تحكم معدل الإنتاج اليومى وأن هذه القوانين يجب أن تحدد من قبل الإدارة. ولعل ذلك الواقع المتمثل في قصور وضعف الأساليب الإدارية التقليدية لتلبية احتياجات المنظمات في تلك الحقبة الزمنية أدى إلى هيمنة فكرة رفع الكفاءة الإنتاجية على تايلور ومن ثم البحث عن الأساليب والوسائل التي يمكن من خلالها تحقيق هذه الأهداف الذي أصبح فيما بعد المرتكز الأساسي للإدارة العلمية. ومن أجل تحقيق هذا الهدف يرى فريدريك تايلور أنه لابد من الأخذ في الاعتبار هذه المبادئ والأسس:
1- البحث عن أفضل طريقة (one best way) لإنجاز العمل وذلك باستخدام الأسلوب العلمي القائم على التجربة، أو بمعنى آخر تطوير أسلوب علمي لكل عنصر من عناصر العمل ليحل هذا التحليل العلمي والموضوعي محل الطريقة التخمينية والتجريبية في الأداء والعمل التي طالما استعملت في المعامل والمصانع.
2- اختيار العاملين بطريقة موضوعية تقوم على أسس علمية وتدريبهم لتحسين أدائهم ً بدلا من الطريقة التقليدية القاضية بأن يقوم الملاحظ بهذا الدور بالقدر الذي يستطيع طبقاً لخبراته وتجاربه الخاصةً.
3- أن وضع العامل في العمل المناسب غير كاف لإنجاز الأعمال بكفاءة وفعالية لذلك اقترح أن يكون هناك نظام للحوافز يقوم أساسا على الأجر الذي يتقاضاه العامل والذي يتناسب مع إنتاجيته وإنجاز العمل وليس على أساس ساعات العمل.
4- لعل من أهم المبادئ والأسس التي قدمها تايلور في هذا الشأن هو مبدأ التخصص وتقسيم العمل حيث يقضي هذا المبدأ بتقسيم العمل والمسؤولية بين الإدارة والعمال تتحمل الإدارة مسؤولية التخطيط والتنظيم والإشراف بينما يقوم العمال بالعمل الحقيقي. ولعل من أهم الإسهامات العلمية البارزة التي قام بها فريدريك تايلور في حقل الإدارة ما يعرف بدراسة الحركة والزمن (time and motion study) التي لا زالت محل إعجاب وتقدير من قبل بعض الباحثين والممارسين في حقل الإدارة بالرغم من مرور ما يربو على نصف قرن على هذه الدراسة.
وقد ساهم فرانك جيلبرت وزوجته ليليان وذلك بدراسة الحركة فى الصناعة واستخدما علم النفس الصناعى وهذه قفزة أخرى فى علم الإدارة ، كما قاما بتطوير معدات بهدف دراسة الوقت والحركة للتقليل من الوقت الضائع.
أما هنرى غانت Gantt فقد وضع نظرية سميت باسمه هي نظرية إدارية علمية من النظريات الكلاسيكية، ولد غانت عام 1866 في ولاية ميرلاند الأمريكية وقد عاصر تايلور، وتخرج من جامعة جونز هوبكنز ودرس الهندسة في معهد ستيفنسون، وأسهم في وضع جداول ورسوم بيانية باللوغارتيمات واهتم بالأجور وبطرق تحديدها ووضع خطة للأجور المرتبطة بالعلاوات إستناداً إلى مبدأ الأجر الثابت للفترة الزمنية المحدودة مع زيادة العلاوات والمكافآت كلما ازداد الإنتاج في فترات زمنية محددة بأرقام قياسية.
لقد صمم غانت عدد من الخرائط منها ما يتعلق بالآلة وحركتها وعمرها وإنتاجها وطرائق حياتها وتشغيلها، ومنها ما يتعلق بالعامل وإنتاجيته، وقد أطلق على هذه الخرائط اسم خرائط غانت Gantt’s Charts وتهدف للقيام بعملية الرقابة ووضع الجداول لمعرفة الإنتاج وتكلفته. فقد اهتم بدراسة الوقت الضائع الذي لا يدخل من إنتاج السلعة.
نظر غانت إلى الإدارة كوظيفة اجتماعية يمكن بواسطتها رفع مستوى المعيشة عن طريق التنمية ورفع مستوى الإنتاجية. كما أنه اهتم بالنواحي النفسية لدى العاملين كوسيلة لزيادة انتاجيتهم وبالحوافز المالية والمعنوية وأوضح أثرها في زيادة الإنتاج.
لذلك يمكننا أن نحدد إسهامات غانت في الفكر الإداري كالتالي؟
1 . خرائط غانت،
2 . المكافأة على قدر الجهد لتعويض العمال،
3 . سيكولوجية العلاقات بين الإدارة والعمال،
4 . تأكيد مبدأ الخدمة بدلاً من الأرباح.
لقد وضع غانت مجموعة من الخرائط التي ساهمت في دراسة الإدارة وتدعيمها في:
1 - خارطة سجل الآلة the machine record chart: توضح هذه الخارطة كمية العمل الذي تؤديه كل من الآلات في المصنع، كما أنها تبين الوقت الضائع بدون استخدام.
2 - خارطة سجل العامل the man record chart: وتوضح الوقت الذي يستغرقه العامل في عمله ومقدار الإنتاج الذي يحققه خلال هذا الوقت. وما يحرزه من تقدم وبالتالي بأنها تبين فيما إذا كان كل عامل يؤدي عمله في يومه أم لا.
-3 خارطة التصميم والترتيب الداخلي the layout chart: وتوضح طريقة سير العمل وفقاً لتسلسل العمليات ومراحلها، بفرض متابعة العمليات التي تتأخر عن موعدها المقرر حتى لا يتأخر إنجاز العمليات أو المراحل الأخرى التي تترتب عليها.
4 - خارطة التحميل the load chart: وتبين كمية العمل المطلوب وفقاً للوحدات أو الساعات المستغرقة في أدائه بالنسبة لكل جزء من أجزاء المصنع أو بالنسبة للمصنع ككل.
5 - خارطة تقدم العمل the progress chart: وهي عبارة عن لوحة توضح مركز العمليات جميعها، والعمليات التي اختصت بها كل آلة من الآلات، حيث يتعرف المدير على مركز العمليات بمجرد النظر إلى اللوحة. وبالتالي تساعد في سهولة تتبع الأعمال وتحدد مناطق الاختناق وعلاجها.
ويعد غانت من أوائل رواد الإدارة الذين اهتموا بالعوامل النفسية والإنسانية مرسخاً بذلك الأسس والمرتكزات الأولية للعلاقات الإنسانية من خلال دراسة السلوك البشري في المنظمة.
ولا ننسى مساهمات هنرى فورد (1863-1947) الذى كان جل همه منذ صغره أن يبحث هن كيفية عمل الآلات. وإحدى أكبر إنجازات فورد هي إنشاء طريقة التصنيع بالتجميع (بالإنجليزية: Assembly Line) في العشرينيات من القرن العشرين وتتمثل هذه الطريقة بعمل مسارات للتصنيع الهدف منها تجيمع هيكل السيارة خطوة خطوة، بحيث أن العامل الواحد يبقى في مكانه ويقوم بعمل شيء واحد طوال الوقت. بهذه الطريقة أصبح العمل أسرع وخصوصا عندما يطلب من العمال صنع الشيء المراد تصنيعه (السيارة في حالة فورد) من الألف إلى الياء وبعد الانتهاء منها يبدءون بواحدة جديدة.
تحولت طريقة التصنيع بالتجميع إلى حركة صناعية عامة لأن استخدامها انتقل إلى معظم الصناعات وخصوصاً الميكنة. ترتبط هذه الطريقة بحركة الحداثة.
حركة العلاقات الإنسانية عام 1927
ومما سبق من مسيرات التطور الإدارى و الصناعى نصل إلى العام 1927 ، حيث ظهرت حركة العلاقات الإنسانية. ومن الأسماء البارزة فى هذه الحقبة (ألتون مايو) هو مؤسس مدرسة العلاقة الإنسانية في الإدارة التي كانت رد فعل لإهمال النواحي النفسية والاجتماعية عند العمال من قبل فايول وتايلور، ولهذا ركزت هذه المدرسة على الإهتمام بالإنسان كإنسان من خلال اتصاله وتفاعله مع الجماعة، وأثبتت بأن العلاقات الإجتماعية والعوامل النفسية لها دور كبير في زيادة الإنتاجية و هذا عبر عدد من التجارب عرفت بتجارب هاوثورن. و التي أظهرت أهمية تأثير المجموعات على السلوك الفردي للعمال. لقد حاول في البداية بحث سبل رفع الإنتاجية عبر سلسلة من التجارب، كتغيير ظروف الإضاءة في ورشات العمل مما سمح له باكتشاف أن إنتاجية العمال لا تتعلق بالعوامل المالية و المادية، بل تتعلق بعوامل إجتماعية، وكالصداقة داخل محيط العمل، و بمدى شعور العمال بالأهمية.
لقد أسفرت هذه الدراسات على نتائج يمكن تلخيصها فيما يلي :
- العمل الصناعي هو عمل جماعي، فالعامل ليس كائناً فردياً يسعى إلى إشباع غاياته الأنانية، إنما يستمد كثيراً من مقوماته الذاتية من الجماعات غير الرسمية في المنشأة، وذلك في معظم مجالات العمل الصناعي، وتؤدي هذه الجماعات دوراً مؤثراً في حياة العامل، وخاصة فيما يتعلق بالإحساس بالأمان وأنماط السلوك الصادرة عنه، والقدرة على الأداء والإنتاج وغير ذلك.
- يساعد الاهتمام بالعامل واحترامه وتقديره كثيراً على تعزيز حوافز الإنتاج في العمل، فقد أدى الاهتمام الخاص الذي وجدته الجماعات التى خضعت للبحث طوال سنوات الدراسة إلى زيادة الإنتاجية، فالتقدير والإحترام يشبع حاجات العامل إلى الأمان والإستقرار كما يؤدي إلى ارتفاع الأجور.
- إن الشكوى والتذمر والقلق الذي يظهر في حياة العمال يعكس في حقيقة الأمر مواقف شخصية أو اجتماعية مختلفة، وهي ليست حقائق في حد ذاتها، إنما أعراض ودلائل على مسائل أخرى.
2- تعتبر الحرب العالمية الثانية رغم مآسيها ذات فضل على الإقتصاد الهندسي
كانت الحرب العالمية الثانية السبب الرئيسى لاعتماد الهندسة الصناعية فى أمريكا ، ومن ثم انتشرت إلى كل أوروبا ، حيث كانت تمارسها أمريكا فى إدارتها الحربية أثناء الحرب العالمية الثانية، واستخدمت الأساليب الكمية فى نظام الدفاع بهدف الإستخدام الأمثل للموارد المتاحة. وقد أذهلت النتائج القيادة الأمريكية مما جعلها بعد الحرب تعمم استخدام الهندسة الصناعية على كافة مؤسساتها الصناعية. ومما سبق نجد ما للحرب العالمية من فضل – رغم مآسيها – فى انتشار الإقتصاد الهندسى فى كافة أرجاء أوروبا، وأصبحت علم ذو قوة واسعة الإنتشار.
وظهرت بعد الحرب العالمية الثانية وأثناءها فى الفترة من 1940 إلى 1950 ، ظهرت كثير من الكتابات فى إدارة الإنتاج. ولكن كانت جميع هذه الكتابات تهتم بالمصنع بشكل عام وجمع القواعد الإدارية التى تساعد على وظيفة إدارة المصنع. وأخذ الإقتصاد الهندسى مسميات عديدة مثل الهندسة الصناعية ، تنظيم صناعى ، إدارة المصنع.
أما فى أواخر الخمسينات وبداية الستينات كان الإهتمام فقط بوظيفة الإنتاج ، واهتم بوضع الإطار العام لعلم إدارة الإنتاج ، ووجود كتب فى علم إدارة الإنتاج وعلاقتها بالوظائف الأخرى ، وكيفية تطبيق الأساليب الكمية. إلا أن الإهتمام كان منصباً فقط على البيئة الصناعية.
إدارة الإنتاج والعمليات
أما الإهتمام بتطبيق أساليب إدارة الإنتاج فى الخدمات وليس فى المصانع ، هذا ما جعلها تتحول إلى مسمى "إدارة الإنتاج والعمليات". وفى عام 1973م كان المدخل الإدارى بدل المدخل الهندسى ، على اعتبار أن الحديث ليس على الصناعة والعملية الصناعية فقط ، ولكن نتحدث على إدارة متكاملة للإنتاج.
ونتيجة للجهود السابقة ظهرت الهيئات العلمية المتخصصة فى تطوير الكتابات والأبحاث والممارسات فى مجال إدارة الإنتاج والعمليات.
وقد ظهرت العديد من الحركات والكتابات والإهتمامات الهادفة لحماية البيئة ، كما ظهرت كذلك مجموعة من القوانين الهادفة لحماية البيئة فى المجتمعات الإنتاجية ، وأصبح على مدير المصنع مسئولية وضع برنامج يوضح الإجراءات المتخذة لحماية البيئة من الآثار الملوثة للعمليات الإنتاجية والصناعية.
وقد بدأ الإهتمام بالبيئة لاستشعار القائمين على الدول والعالم بصفة عامة إلى أهمية البيئة وتأثيرها على المجتمعات ، كما أن الموارد بدأت تُدْرَس بشكل علمى ، وبدأ وضع أسس ونظم فى التعامل كى لا نفقدها.
وبذلك وصلنا إلى الإتجاهات المعاصرة فى إدارة الإنتاج والعمليات وهى:
الإتجاهات المعاصرة فى إدارة الإنتاج والعمليات
- أن إدارة الإنتاج أصبحت عالمية وليست محصورة فى نطاق المكان الموجودة فيه، حيث أصبحت تتعامل فى خططها وتحليل بياناتها ووضع خططها الإستراتيجية مع النظم العالمية.
- أصبحت استراتيجية الإنتاج محددة فى نطاق الإستراتيجية العامة للمنشأة.
- دخلت إدارة الجودة الشاملة فى العمليات الإنتاجية والصناعية.
- أهمية المرونة فى تصميم النظم الإنتاجية.
- تخفيض الوقت فى كل مراحل النظام الإنتاجى ، وابتكار طرق جديدة تساعد فى المزيد من تخفيض وقت العمليات التصنيعية والإنتاجية.
- دخول النظم التكنولوجية الحديثة فى العملية الإنتاجية.
- العمل الجماعى والاهتمام بالبيئة.
إن وظيفة الإنتاج والعمليات هى أحد الوظائف الرئيسية للمنظمات الصناعية بشكل عام ، وخلال العقود الأخيرة من القرن الماضى ازداد الإهتمام بوظيفة الإنتاج والعمليات باعتبارها إحدى التحديات التى يواجهها المدير المعاصر بهدف تحقيق مستويات عالية من الأداء.
كذلك تحولت إدارة الإنتاج والعمليات خلال القرن الماضى من إدارة تقليدية تهتم بإنتاج السلع والخدمات ، إلى إدارة تهتم بفحص المنتج والفحص الإحصائى للجودة ، ثم تأكيد وضمان الجودة ، ثم إلى إدارة الجودة الشاملة ، وصولاً إلى إدارة الجودة الإستراتيجية.
وفى ضوء التطورات العلمية السريعة فى أساليب ونظم التصنيع والإنتاج ، ومن خلال تحديث الآلات والعمليات والأنشطة المتصلة بالعملية الإنتاجية كتخطيط وجدولة الإنتاج وتطوير أساليب الرقابة ، والتركيز على توسيع دائرة الإنتاج ، شاع مصطلح جديد وهو مصطلح إدارة الإنتاج.
3- تعتبر اليابان علم في الاقتصاد الهندسي
يعتبر نجاح اليابان خلال العقود الأخيرة من القرن الماضى نموذجاً لسعى الشركات والمنظمات للإهتمام بوظيفة إدارة الإنتاج ، وقد اتضح من خلال تتبع التجربة اليابانية أن معظم التحسينات والتطوير المستمر فى العملية الإنتاجية قد أدى إلى تخفيض الكلفة ، وبذلك تمكنت اليابان أن تحقق إنجازات على المستوى العالمى نتيجة اعتمادها وتبنيها فلسفة متقدمة ورائدة منها نظام الإنتاج فى الوقت المحدد ، أو ما يسمى نظام تقليل الفاقد. وتعتبر سياسة تقليل الفاقد من أكثر أنظمة إدارة الإنتاج شهرة ونجاحاً ، وبدأ تطبيق هذا النظام من خلال شركة السيارات اليابانية المعروفة (تويوتا) فى السبعينات وأظهرت نتائج باهرة فى الثمانينات ، حيث بدأت الشركات الأمريكية والأوروبية تفاجأ بالتجربة اليابانية ونجاحها فى إدارة الإنتاج وتطبيق نظام تقليل الفاقد ، مما أدى بالخبراء الأمركيان والأوروبيين فى دراسة هذا العلم الجديد ومحاولة فهم سياسة تقليل الفاقد ومحاولة تطبيقها فى منظماتهم الصناعية والإنتاجية. وإلى الآن مازالت سياسة تقليل الفاقد متفوقة على أى سياسة أخرى فى إدارة التصنيع بل وإدارة الخدمات كذلك. وما زالت شركة تويوتا اليابانية هى النموذج المثالى لإدارة العمليات الإنتاجية فى العالم وما زال نجاحها يتوالى.
مع انتهاء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي السابق كثرت الدراسات والأبحاث والكتب لكبار المفكرين والكتاب والباحثين الأمريكان والغربيين حول التجربة اليابانية الحديثة (المعجزة اليابانية) مبدين في كثير من الأحايين تخوفهم من نجاح اليابان والفوز أخيراً بالزعامة القطبية العالمية، بعد انتهاء نظام القطبية الثنائية في بداية التسعينات من هذا القرن انتهاء الحرب الباردة وذلك لأن اليابان حققت في فترة هذه الحرب قفزات كبيرة في عالم ثورة التكنولوجيا والصناعة خصوصاً، والاقتصاد عموماً ونافست بضائعها البضائع الأمريكية الأمر الذي دعاهم الكتاب للبحث في أسرار المعجزة اليابانية ليس للاستفادة والتعلم منها، وإنما لوقف أو الحد من الاندفاعة اليابانية المعاصرة، وفيما يلى سنتناول أسباب وعوامل نجاح التطور الياباني للتعريف بأهم تجربة نهضة عالمية حديثة يمكن الاستفادة منها وأخذ الدروس والعبر سيما وأن اليابان لا تنتمي إلى العالم الغربي وإنما دولة شرقية آسيوية لها تراثها ومميزاتها وخصائصها المختلفة عن أي دولة غربية.
أسباب نجاح تجربة التحديث اليابانية :
قبل أن نتناول أسباب النجاح الياباني لا بد من الإشارة إلى أن قوانين التقدم العامة تختزن في الممارسة العملية سمات إيجابية بحيث يصبح التقدم سمة المجتمع بأكمله في عملية حركية معقدة. كذلك قوانين التخلف التي تحول المجتمع في الممارسة العملية أيضاً إلى حلقات متشابكة معقدة يقع خلالها المجتمع بأسره في دائرة التخلف والتبعية التي يصعب الخروج منها إلا بكسر الحلقات الأساسية التي تسجن حركة المجتمع داخل التخلف. وبالرغم من صعوبة معرفة أسباب نجاح تجربة التحديث اليابانية بسبب ما يحيطها من غموض إلا أنه يمكننا أن نحددها بالأسباب والمجالات التالية:
1 - تقديس العمل وتضخيم الإنتاج: لعب العامل الإنساني دوراً بارزاً في نجاح التجربة اليابانية، فالعامل الياباني بعلاقاته الأسرية المتماسكة وعلاقاته مع زملائه ومدرائه في الشركة أو المؤسسة التي يعمل فيها، وكذلك روح التنافس الشريف مع المؤسسات اليابانية الأخرى أو مع المؤسسات الأجنبية العاملة في اليابان، إن هذه الميزات الإنسانية لا يمكننا فهمها من دون ربطها بالأبعاد الثلاثة الاقتصادي الاجتماعي السياسي التي تشكل بتفاعلها الأساس الموضوعي الذي نبتت عليه وتميزت به تجربة التحديث اليابانية المعاصرة، والياباني يقدس نظام العمل إلى درجة غريبة. إذ أن المقاهي وأماكن اللهو الأخرى تكاد تكون خالية أثناء ساعات العمل، وتمتلئ بعد الانتهاء من العمل، ويمكن الإشارة إلى أن المعدل السنوي لساعات العمل باليابان بلغ أعلى نسبة له في العالم كله، هذا بالنسبة لتقديس العمل أما بالنسبة لتضخيم الإنتاج فيمكننا القول بأن نظام العمل هناك له دور إيجابي هام في مجال تضخيم الإنتاج، ومن سماته الإيجابية:
أ- اعتماد مبدأ الكفاءة، يتم اعتماد هذا المبدأ بشكل دقيق بحيث أن الياباني لا يشعر بوجود حواجز ما تقف أمامه أو تعرقل جهده الفعال للوصول إلى الغاية المرجوة، وبالتالي هناك تشجيع مستمر لعمله.
ب- الافتخار بالانتساب إلى الشركة أو المؤسسة، وهذه سمة هامة في نظام العمل الياباني إذ يتحول العامل أو الموظف إلى جزء لا يتجزأ من الشركة أو المؤسسة التي يعمل بها، ويبقى العامل مستقراً في شركته طالما بقي على قيد الحياة، حيث الرتبة والراتب لا يفارقانه طيلة عمله بالشركة، ولا يوجد نظام النقل، أي نقله من مؤسسة إلى أخرى كما هو الحال في معظم البلدان النامية.
ج- التوازن بين المصلحة الخاصة ومصلحة الجماعة: يقوم نظام العمل الياباني بالدرجة الأولى على المصلحة العامة مع عدم الإضرار بالمصلحة الفردية الخاصة أي أن مصلحة الشركة هي المحددة لنظام العمل. ولا توجد أضرار لمصلحة الفرد ما عدا عدم الاستقرار للنساء العاملات إذ يتم قذفهن إلى الخارج ولا يشعرن بالاستقرار عند زواجهن وإنجابهن للأطفال، وعدا عن هذا فالشركة تؤمن قسطاً كبيراً من حاجيات ومتطلبات العاملين لديها، وتعتبر الشركة بالنسبة للعامل مصدر فخر واعتزاز بالانتماء إليها.
2- الجماعية في اتخاذ القرار: يتميز اليابانيون بالروح الجماعية والعمل كفريق متكامل وهذه سمة من سمات شخصيتهم الوطنية، والمجتمع الياباني استطاع أن (يتغلب على الطبيعة الشاقة التي تواجد فيها بفضل صياغة نمطه المتفرد من الوحدة التكوينية بحيث أصبحت الأمة في عصرها الحديث مؤسسة ووحدة تكوينية فيها لا تتحرك إلا بعد أن ينصهر القرار أو الاتجاه في بوتقة الإجماع أو على الأقل الموافقة الضمنية الاجتماعية، ومن هنا استطاعت اليابان أن تتفتح على كل معطيات العالم الحديث - منذ عصر ميجي- تستوعبها ثم تعيد صياغتها بشكل يناسب تراثها الفريد في التعبئة الوطنية الشاملة.
3 - الإدارة اليابانية: تعتبر الإدارة أحد مفاتيح الاقتصاد الياباني، هذه الإدارة التي تتداخل عوامل نجاحها بين التعليم الممتاز والنسيج الاجتماعي التاريخي الذي يربط اليابانيين بالعمل والولاء للمؤسسة وعطف الإدارة وتفهمها لمطالب وحاجات العاملين لديها. والإدارة اليابانية تتميز بالعقلانية والعملية ويتجلى ذلك بما يلي:
- الاعتماد على الكفاءة والمستوى العلمي وليس التوارث أو المحسوبية.
- الاعتماد على الأقدمية والسن للتدرج في السلم الوظيفي إلى نهاية الخدمة.
- التعاون الوثيق والعلاقة الحميمة بين العمال والمدراء على كافة المستويات، وتبني مبدأ القرار الجماعي.
- التعاون الوثيق بين نقابات العمال ورجال الأعمال وبينهم وبين إدارات الدولة والتصرف العقلاني على أساس أن الأفضلية المطلقة يجب أن تعطى لمصلحة اليابان العليا ودورها على المستوى الدولي.
- الاعتماد على مبدأ العامل الشريك في العمل وإشعاره بالاستقرار العام طيلة حياته المهنية بحيث يتحول إلى جزء لا يتجزأ من الشركة أو المؤسسة التي يعمل بها كما مرّ معنا آنفاً.
- حل المشاكل العالقة عن طريق التحكيم والمساومة ورفض اللجوء إلى الإضرابات وتعطيل الإنتاج وبالرغم من سلبيات هذا المبدأ على مستوى العامل المعيشي إلا أن نتائج هامة تحققت على هذا المبدأ في مجال تضخيم الإنتاج الياباني وتجميل صورة اليابان كواحدة من أكثر البلدان استقراراً داخلياً، وإفادة لأصحاب الرساميل الضخمة التي تبحث عن الاستقرار في عالم شديد الاضطراب.
وفي هذا المجال يمكن الإشارة إلى أن وزارة التجارة الخارجية والصناعة اليابانية Miti تقوم بتمويل المشاريع الداخلية والخارجية وتساهم في إقامة التوازن بين الشركات اليابانية وبين القطاع العام والخاص، وفي تمويل المشاريع ذات الأبعاد المستقبلية، وترفض المشاريع ذات الإنتاجية المتدنية، وتعطي الأولوية للسلع ذات الإنتاج التنافسي علي المستوى العالمي خاصة في مجال الإلكترونيات والكمبيوتر..
4 - التعليم: أصبحت مناهج التربية والتعليم اليابانية اليوم من المناهج العالمية التي تنظر إليها وتحاول تقليدها الأمم الأخرى، ويؤخذ على نظام التعليم الياباني عدم إعداد الطلاب نظرياً بشكل كاف، والاكتفاء بالإعداد المهني والعملي السريع، وفي المنزل تساعد الأم على تهيئة طفلها للتعلم، كما يدفع الأب الكثير من دخله لضمان تعليم مناسب لأطفاله، ويعصب قسم كبير من الطلاب رؤوسهم بلفة من القماش في أثناء المذاكرة للامتحان كدليل ومؤشر على التصميم متذكرين بذلك تصميم أجدادهم الساموراي في الحرب من أجل الانتصار.
5 - الإعلام: تعتبر شبكة الإعلام اليابانية شبكة هائلة وتشمل المطبوعات والصحف اليومية التي توزع بالملايين وضمن إقليمية ومحطات تلفزة قومية وتجارية، اليابانيون يقومون بدفع اشتراكاتهم للتلفاز الياباني على غرار البريطانيين ولكن بطريقة تطوعية ونسبتهم 90% من المواطنين بانتظام دون مطالبة من الجهات اليابانية المسئولة.
6 - الاستفادة من الظروف الدولية: وبالإضافة إلى ما تم ذكره فيما سبق يمكن أن نذكر في هذا الصدد قدرة اليابان على الاستفادة من الحظر المفروض عليها من قبل التحالف بعد الحرب ونزع سلاح وترويض الروح العسكرية اليابانية التي كانت حتى ذلك الوقت سمة من سمات الشخصية اليابانية، ورب ضارة نافعة كما يقولون فقد تمكنت اليابان من خلال تلك السياسة من توفير الطاقة التي مكنتها من التوجه للإنتاج الاقتصادي من أجل السلام والاعتماد على الأمريكان لحفظ السلام في جنوب شرق آسيا، أي باختصار استفادت اليابان من أجواء وظروف الحروب الباردة بالانصراف للعمليات الاقتصادية، ووفرت لنفسها قدرة اقتصادية وتكنولوجية هائلة ظهرت تجلياتها بعد انتهاء الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي السابق والولايات المتحدة الأمريكية، ودخلت اليابان النظام العالمي الجديد كقطب عالمي مرشح لتتبوأ موقعاً متقدماً قد يصل إلى درجة الزعامة القطبية الأولى مستقبلاً.